متى يتحول إدمان العمل إلى مرض؟

إدمان العمل

في عالمنا الحالي المليء بالتنافس والضغوطات الاقتصادية والاجتماعية، أصبح إدمان العمل ظاهرة متزايدة الانتشار تحت شعار “العمل أولاً”. 

فمن الطبيعي أن نسعى لتحقيق النجاح والتميز في حياتنا المهنية، لكن عندما يتحول هذا الطموح إلى إدمان يسيطر على حياتنا اليومية ويؤثر سلبًا على صحتنا النفسية والجسدية وعلاقاتنا الاجتماعية، يصبح الوضع مُقلقًا. 

في هذا المقال، يستعرض الدكتور محمد عوني أبو حليمة، اختصاصي الطب النفسي ومعالجة الإدمان علامات وأسباب إدمان العمل، ونناقش متى يمكن أن يتحول هذا الإدمان إلى مرض يحتاج إلى علاج ودعم متخصص.

ما المقصود بـ إدمان العمل؟

إدمان العمل، المعروف أيضًا بالإنجليزية بـ “Workaholics”، عبارة عن حالة مرضية تتميز بالاحتياج الشديد للعمل والتعرض المستمر للضغوط المهنية حتى ما بعد ساعات العمل الرسمية. 

في هذه الحالة، يصبح الشخص مهووسًا بالعمل، حيث يخصص له الأولوية القصوى في حياته على حساب الأنشطة الأخرى والعلاقات الاجتماعية وحتى الاهتمام بالنفس.

في هذه الحالة، يصبح العمل ليس مجرد وظيفة أو وسيلة لتحقيق الدخل، بل يتحول إلى شغف وهوس يسيطر على تفكير وسلوك الشخص. 

ما الأسباب المؤدية إلى إدمان العمل؟

إدمان العمل ليس مجرد سلوك مفرط في العمل، بل هو حالة نفسية تحدث نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل النفسية، الاجتماعية، والبيئية. 

إليك بعض الأسباب المؤدية إلى إدمان العمل:

الأسباب النفسية المؤدية لـ إدمان العمل

مثل:

  • الخوف من الفشل: الرغبة في تحقيق النجاح المهني قد يؤدي إلى تفادي الفشل عبر الاستمرار في العمل، بالإضافة إلى الشعور بأن النجاح المهني هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق القيمة الشخصية.
  • الرغبة في التقدير: الشعور بالحاجة للتقدير والاعتراف يمكن أن يجعل الشخص يعمل بشكل مفرط للحصول على المزيد من الإنجازات.
  • التهرب من المشاعر السلبية: استخدام العمل كوسيلة لتجنب التعامل مع المشاعر السلبية مثل القلق، الاكتئاب، أو الشعور بالفراغ.
  • الهروب من المشاكل الشخصية: استخدام العمل كوسيلة للهروب من المشاكل والضغوط الشخصية.

الأسباب الاجتماعية والبيئية

تتضمن ما يلي:

  • الثقافة المهنية: في بعض الثقافات، يُعتبر الالتزام الشديد بالعمل علامة على الكفاءة والنجاح، مما يشجع على إدمان العمل.
  • الضغوط الاجتماعية: الضغوط الاجتماعية لتحقيق النجاح وتوفير المعيشة قد تدفع الفرد للعمل بشكل مفرط.
  • الرغبة في التقدم المهني: الرغبة الشديدة في الترقية والتقدم المهني بأسرع وقت ممكن.
  • الظروف المهنية: العمل في بيئة مليئة بالضغوط والتنافس قد يدفع الفرد للعمل بشكل مفرط.
  • التقلبات الاقتصادية: في حالات الأزمات الاقتصادية، يمكن أن يؤدي الخوف من فقدان الوظيفة إلى زيادة الالتزام بالعمل.

متى يتحول إدمان العمل إلى مرض؟

علامات تدل على تحول إدمان العمل إلى مرض، وتشمل ما يلي:

التفكير المستمر في العمل

يصل الشخص لمرحلة لا يمكنه فيها الاستراحة أو التوازن بين العمل والحياة الشخصية بشكل صحي، والشعور بأن العمل هو الشيء الأساسي الذي يدور حياته حوله.

العمل لساعات طويلة دون استراحة

الشعور بالحاجة الملحة للعمل لساعات طويلة على الرغم من الشعور المستمر بالإرهاق والتعب وعدم القدرة على الراحة أو الاستجمام. 

إهمال العلاقات الاجتماعية والنشاطات الشخصية

التضحية بالوقت المخصص للعائلة، الأصدقاء، والهوايات لصالح العمل بالإضافة إلى فقدان التوازن بين الحياة المهنية والشخصية والشعور بالذنب أو القلق عند قضاء وقت خارج ساعات العمل، والشعور بأن الأنشطة الشخصية هي إهدار للوقت.

الشعور بالقلق 

الشعور المستمر بأنه لا يمكن إنجاز الكثير من المهام في الوقت المتاح، والقلق من التقصير في العمل.

الإحباط

التوتر المستمر والشعور بالإحباط وعدم الرضا عن الذات، حتى عند إنجاز المهام وتحقيق الأهداف.

الانعزال

الانعزال عن الآخرين وتجنب المشاركة في الأنشطة الاجتماعية بسبب التزامات العمل.

التأثير سلبًا على الصحة النفسية

مثل:

  • اضطرابات القلق.
  • الاكتئاب.
  • اضطرابات النوم.
  • اضطرابات التغذية، زيادة أو فقدان الشهية نتيجة للتوتر.

التأثير سلبًا على الصحة الجسدية

إدمان العمل يمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية تؤثر على الصحة الجسدية، وتشمل:

  • الصداع.
  • الأرق.
  • الألم المزمن في الظهر والعنق والكتفين.
  • تدهور الصحة العامة واللياقة البدنية.
  • الإصابة بشكل مستمر بالأمراض نتيجة الإجهاد المستمر.
  • زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، أو ارتفاع ضغط الدم، أو السكري.

كيف تعالج إدمان العمل؟

إدمان العمل يمكن أن يكون مشكلة صعبة وتحتاج إلى تدخل متعدد الجوانب للتغلب عليه. 

يقدم د. محمد أبو حليمة بعض الطرق المستخدمة لعلاج إدمان العمل:

العلاج النفسي للتخلص من إدمان العمل

ويتضمن ما يلي:

العلاج السلوكي المعرفي (CBT)

هو نوع من العلاج النفسي يهدف إلى تغيير الأفكار والسلوكيات السلبية المرتبطة بإدمان العمل، من خلال:

  • مساعدة الفرد في التعرف على الأفكار والمعتقدات السلبية التي تقف وراء إدمان العمل والعمل على تغييرها.
  • تعلم مهارات وتقنيات للتعامل مع الضغوط والتوتر المرتبط بالعمل بطرق أكثر صحية.
  • تطوير التوازن بين العمل والحياة الشخصية، وتحديد الأولويات وتوزيع الوقت بين العمل والراحة والأنشطة الشخصية.
  • تحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، مما يساعد في بناء علاقات صحية ومتوازنة.
  • فهم العواطف والاحتياجات الشخصية، مما يؤدي إلى التعامل معها بشكل أكثر فعالية وصحة.

تحليل السلوك التطبيقي (ABA)

يستخدم بشكل أساسي في تعديل السلوكيات الغير مرغوب فيها وتطوير السلوكيات الإيجابية، وذلك عن طريق:

  • تحليل السلوك المفرط بالعمل لتحديد العوامل المحفزة والمؤثرة في هذا السلوك، مثل الأنشطة التي تدفع الفرد للعمل المفرط والعوامل التي تعزز من هذا السلوك.
  • تطبيق استراتيجيات لتقليل العمل المفرط وتعزيز السلوكيات الإيجابية، مثل توزيع الوقت بين العمل والراحة والأنشطة الأخرى وتطوير هوايات جديدة.
  • تعليم الفرد تقنيات معينة للتعامل مع الضغوط، مثل التنفس العميق والاسترخاء وتحديد وقت للاستراحة خلال ساعات العمل.
  • تطوير مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي لتحسين العلاقات الشخصية والاجتماعية، مما يساعد في توجيه الفرد لقضاء وقت أكبر مع العائلة والأصدقاء والاستمتاع بالأوقات الاجتماعية.

العلاج الدوائي

في بعض الحالات قد يوصي الطبيب ببعض الأدوية لعلاج الأعراض النفسية المصاحبة لإدمان العمل، ومن أبرز الأمثلة:

  • الأدوية المضادة للاكتئاب.
  • الأدوية المضادة للقلق.

كيف تتخلص من إدمان العمل وآثاره السلبية؟

إليك بعض النصائح التي تساعدك على التخلص من إدمان العمل:

  • تحديد الأولويات: حدد قائمة بالأولويات اليومية وحدد الوقت المناسب للعمل والراحة والأنشطة الشخصية، فهذا يساعد في توزيع الوقت بين الحياة المهنية والحياة الشخصية.
  • تحديد وقت الاستراحة: حدد وقتًا خلال ساعات العمل للراحة والاستراحة، واستفد من هذه الفترات للتأمل أو التمدد أو ممارسة التمارين الرياضية البسيطة.
  • ممارسة الهوايات والأنشطة الشخصية: قم بتخصيص وقت لممارسة هواياتك المفضلة والأنشطة الترفيهية التي تحبها، وذلك للابتعاد عن التفكير المستمر في العمل.
  • تعزيز التواصل الاجتماعي: احرص على قضاء وقت مع العائلة والأصدقاء ومشاركتهم الأنشطة والهوايات لتعزيز العلاقات الاجتماعية.

وفي ختام هذا المقال، يذكرك د. محمد أن “العمل هو جزء أساسي من حياتنا، لكنه ليس الحياة بأكملها”، فإدمان العمل يُظلم الروح ويقلل من جودة الحياة، ولكن التوازن بين العمل والحياة الشخصية هو مفتاح السعادة والرفاهية. 

إذا كنت تعرف أنك تقف على حافة هذا الهاوية، فتذكر دائمًا: “السعادة ليست في تحقيق الكمال، ولكن في تقبل الحياة بكل تفاصيلها والعثور على التوازن المثالي بين كل جانب من جوانبها”. فلتسعَ للتوازن، ولتكن حياتك مصدر إلهام وسعادة.

المصادر:

  1. What is Work Addiction? Signs & Symptoms. (n.d.). The Recovery Village. https://www.therecoveryvillage.com/process-addiction/work-addiction/#
  2. Tyler, M. (2017, December 19). Work addiction. Healthline. https://www.healthline.com/health/addiction/work
  3. Dadi, C. (2023, April 10). The Impact of work addiction on Well-being | University of Nevada, Reno. University of Nevada, Reno. https://onlinedegrees.unr.edu/blog/the-impact-of-work-addiction-on-family-life-and-mental-health/
  4. Work Addiction – Addictions UK. (2022, April 11). Addictions UK. https://addictionsuk.com/types-of-addictions/work-addiction/
  5. Ivanova, V. (2024, April 1). Work addiction myths, signs, symptoms, and treatments – The Diamond Rehab Thailand. The Diamond Rehab Thailand. https://diamondrehabthailand.com/what-is-work-addiction/
Tags: No tags

Comments are closed.